أندرو أشعياء
«ما هذا؟ هل يوجد راهب يتطفل؟! ويتطفل بهذه الطريقة؟» هكذا سأل نفسه بعد تفكير وحيرة!. كان في بادئ الأمر أنه شعر أن أحدًا من أباء الدير يتمشى في الطرقات خارج القلاية، وفي البداية لم يعر الأمر إهتمامًا؛ إلا أن صوت حذاء الراهب أثاره إذ كان صوته ملحوظًا. 
 
«ألم أقرأ في البستان أن هنا مشي هين وصوت لين؟ لهذا مَن هو هذا الذي يتحرك كأنه ليس من حوله أحدٍ؟» هكذا حدَّث نفسه ثانيةً! ولكنه عاد ليراجع فكره حتى لا يتسارع في الحكم مُفترضًا أن هذا الأب لا يملك حذاءًا أو ربما أن الحذاء تهرأ فالتجأ ليستخدم الحذاء المخصص للسفر!
 
وبالفعل، بهذا عاد وجمع فكره وعقله في ما كان يقرأه، ولكن للأسف صوت حركة الراهب أثاره دهشة شديدة عندما لاحظ أنه يقف كثيرًا أمام قلايته! ثم يعود ليتحرك عائدًا مسافة قليلة ثم يدور عائدًا متوقفًا عند باب هذه القلاية فترة من الوقت مُقتربًا من الباب وكأنه ليسمع ويتابع ما يدور بالقلاية! 
 
فكر ابونا ساهر – هكذا اشتهر بهذا الأسم لشدة أسهاره- أنه يتظاهر بالحركة داخل القلاية حتى يفهم من هو بالخارج!. وبالفعل تظاهر!، وسريعًا ارتبكت الحركة بالخارج في خطوات سريعه لتختفي! 
 
اعتبر ابونا كاراس – وهكذا اسمه – أنه لم يحدث شئ حتى لا يعطي للأمر أكثر من حجمه، وأن ربما أحدًا من الأباء أو الأخوة دفعه الفضل لكشف سِره مثلما كان يقرأ في القصص عن ذلك الراهب الذي سار وراء الراهب الشيخ في الصحراء ليعرف سٍره إذ كان مُعتادًا – الأخير – على أن يخرج يوميًا للتمشي بالصحراء بعد الغروب ليعود على دقات صلوات نصف الليل والتسبحة.
 
نسى ما حدث وعاد ليقرأ، ولكن ربما من كان بالخارج ربما نشبت به حرب الفضول ولم يعد قادرًا على دفعها بعيدًا وعاد لنفس الحركة بالتمشي ومن حين لآخر بالوقوف كثيرًا امام قلاية الراهب كاراس.
 
جلس الراهب كاراس على سريره – إذ كانت الواحدة بعد منتصف الليل – ليرى ماذا يحدث بعد كل هذه الحركة، والعجيب أنه لم يفكر أن يقوم ليفتح الباب ويتظاهر بالخروج لأمر ما وظل بقلايته! 
 
أسند ظهره على «المخدة» وتضرع «يارب يسوع المسيح ارحمني» وبدأ يتواتر في صلاته وأثناءها أخذه النعاس ليقلق على صوت ناقوس الدير ليقوم مُسرعًا للكنيسة مندهشًا لما حدث! وهل أصدر صوتًا أثناءًا نومه المفاجئ فعلم مَن بالخارج فانصرف! 
 
تكرر هذا الأمر في الليلة الثانية وفيها اضجر كثيرًا وقرر أن يفتح الباب، وبالفعل همَّ بالوقوف، وما أن بدأ بالحركة حتى لاحظ ارتباك حركة من هو بالخارج، وفور فتح الباب لاحظ طرف ثوب لراهب ينزوي سريعًا ناحية السلم لينزل! فهمهم بعبارات «أنا مش فاضي للعب ده »وأغلق بابه وبين حين واخر كلما سمع صوتًا بالخارج همَّ بالخروج ولكن سريعًا ما يختفي من بالخارج! 
 
قرر أن يفتح باب قلايته، ويقف قرابة النصف ساعة! وللأسف يومها كان الليل شديد البرودة فلفحته رياح بارده حتى أصابته بـ «نزلة برد» مكث على أثرها في سريرهِ خمسة أيام! .. وبعدها بثلاثة أسابيع تكرر الأمر، وسريعًا غير كل مرة خرج مُسرعًا عندما شعر بصوت أحدهم قادم نحو قلايته، وتربص خلف الباب وما أن اقترب فهمَّ – الراهب كاراس – بفتح الباب ليجده طالب رهبنه مرتديًا الزي الأزرق فأمسكه وانتهره وسأله عن سبب تواجده في مثل هذه الساعه المتأخره! فأجابه بانه للتوى انتهي من «عجن وخبز القربان» وأنه ميعاد الدواء لابونا فيلبس طريح الفراش المجاور لأبونا كاراس! 
 
دخل ابونا كاراس قلايته ولكن شاكًا بأنه هذا الأخ تم إرساله من قبل أحد الأباء! وأن عليه أن يبلغ أب الدير بهذا وبالفعل أخبره بما يجري! ووعده – الأخير – أنه في حالة تكرار الأمر سيستدعى الأخ طالب الرهبنة لأستجوابه وربما للأعتذار له بالبقاء داخل الدير.
 
عندما عاد الى قلايته نسى الأمر وكأن شيئًا لم يحدث، وبدأ في متابعة قانونه الذي فيما هو يؤديه تسلل اليه ماذا لو كان هذا الاخ مُخطئًا بالفعل هل سيتم طرده؟! وإن طردوه فلن يرتاح بنت شفة إذ تم طرد أخ بسبب شكواه، وانه كان من الأفضل أن يلتجأ بالصمت وكأن شيئًا لم يحدث! وفيما هو يفكر في هذا انتابته قشعريرة إذ شعر بأن شيئًا ما يمشي على ظهره فنفض جلبابه وشكر الله انه ربما بهذا أعاده لقانونه لا للأفكار! 
 
ولكن تكرر الأمر بأن شيئًا ما يمشي على كتفه فهمَّ بنزع كل ملابسه ليبحث فيها غير واجدًا لشئ!. وفي ليلة أخرى تفاجأ بأن القوارض اكلت جزءًا من الخشب فأحضر لها سم ولكن دون جدوى، وبدأ يشعر أن قوارض ما تأكل اكله القليل الموجود على المنضده اثناء غيابه واثار حوافرها منطبع! وكثيرًا ما سمع صوت فحيح أفعى داخل قلايته فينتابه الذعر 
 
بإختصار، امتنع هذا الفعل فترة، أو للدقة امتنع هو عن التجاوب معها بعدما ظن أنه حرب خيالات جراء ما سمعه من أحد الشيوخ في جلسة روحية ناصحًا اياه بأن لا ينجذب ورائها، ولكن للاسف عادت فترات أطول. 
 
وكثيرًا ما شكى لأبيه الروحي بأن صوت الذباب عالي جدًا بداخل القلاية، وكثيرًا ما سمع بعض الأباء صوت تقطيع طعام وبصل ورائحة الطماطم والسمن في الصوم الكبير من داخل قلايته، وكثيرًا ما طرقوا بابه ليفتح لهم والنوم بعينيه ليسألوه عن هذا الأكل فيجيبهم بالنفي!  
 
يُذكر أن هذا الأب عاش عمره مُجاهدًا لا يكل ضد هذه الحرب الصعبه – حرب الخيالات التي يشنها عدو الخير – حتى قالوا عن عيونه أنها كانت كالنبع الجارف من كثرة دموعه وكيف صارت مقلتيه!. ويُذكر أن كثيرًا ما كان يشعر بأن شيئًا ما على ظهره وما كان يعر اهتمامًا سوى بعد حين طويل جدًا ليجدها بالفعل عقرب فيأخذه بهدوء ويلقيه بالخارج! 
 
أما عن اتهامه بالوسواس فإحتمل في صمت خاضعًا لمشورة أبيه الروحي. اليوم دقت أجراس الدير لتعلن نياحته وها طالب الرهبنة الذي انتهره قديمًا يطلب أن ينقل ويسكن هذه القلايه بعدما عُهدَ اليه بتفريغ ما كتبه -الراهب كاراس- عن هذه الحرب كاشفًا بالفعل سره! 
لنا حديث اخر