أخبار الكنيسة

الرَّعِاة المنحرفون!

د.ماجد عزت إسرائيل

   في المقال السابق تناولت الرَّاعِي الصَّالِحُ والأمين وأكدنا على إن الله هو راعي الخليقة كلها منذ أن بدأ يوجد إنسان على الأرض، وقد ورد في إنجيل يوحنا قائلاً: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ.” (يو 10: 11). وقد عين الله رعاه يرعون شعبه.  ففي الكتاب المقدس، أخذت هذه الصورة الرمزيّة، صورة الراعي الصَّالِحُ أو الرئيس منحى خاصًّا بالنظر إلى حياة الرعاية التي عاشها الآباء الأوّلون. وبالنظر إلى موسى كما ورد بالكتاب قائلاً: “وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ، فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ.” (خر 3: 1). وأيضًا بالنظر إلى داود كنموذجًا لكلّ ملك في الأرض المقدّسة حيث ذكر عنه في الكتاب قائلاً: “وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: «هَلْ كَمُلُوا الْغِلْمَانُ؟» فَقَالَ: «بَقِيَ بَعْدُ الصَّغِيرُ وَهُوَذَا يَرْعَى الْغَنَمَ». فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: «أَرْسِلْ وَأْتِ بِهِ، لأَنَّنَا لاَ نَجْلِسُ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَى ههُنَا».” (1 صم 16: 11). إنّ لقب الراعي الرئيس قد وُجد في مصر وأعطي للإله بشكل سامٍ. ووُجد أيضًا في أرض إسرائيل حيث الربّ هو أوّلاً الراعي، ثمّ الملك الذي يقوم مقام الله في رعاية الشعب. 
 
 أما الرعاة المنحرفون فيقول الرب في سفر إرميا النبي “«وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ وَيُبَدِّدُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الرُّعَاةِ الَّذِينَ يَرْعَوْنَ شَعْبِي: أَنْتُمْ بَدَّدْتُمْ غَنَمِي وَطَرَدْتُمُوهَا وَلَمْ تَتَعَهَّدُوهَا. هأَنَذَا أُعَاقِبُكُمْ عَلَى شَرِّ أَعْمَالِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأَنَا أَجْمَعُ بَقِيَّةَ غَنَمِي مِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتُهَا إِلَيْهَا، وَأَرُدُّهَا إِلَى مَرَابِضِهَا فَتُثْمِرُ وَتَكْثُرُ.وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رُعَاةً يَرْعَوْنَهَا فَلاَ تَخَافُ بَعْدُ وَلاَ تَرْتَعِدُ وَلاَ تُفْقَدُ، يَقُولُ الرَّبُّ.” (إر 23: 1-4 ). وأيضًا  “كَانَ شَعْبِي خِرَافًا ضَالَّةً، قَدْ أَضَلَّتْهُمْ رُعَاتُهُمْ.عَلَى الْجِبَالِ أَتَاهُوهُمْ. سَارُوا مِنْ جَبَل إِلَى أَكَمَةٍ. نَسُوا مَرْبَضَهُمْ.” (إر 50: 6).
 
  هنا يبدأ الله فيتّهم الرعاة، أي ملوك شعبه. هو يلومهم لأنّهم تركوا “غنم الرعيّة” يهلك. لأنّهم أخطأوا حين تركوا الخراف التي يحنو عليها، تتشتّت وتضيع الرعية “لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا اَللهُ إِلَى الأَبَدِ؟ لِمَاذَا يُدَخِّنُ غَضَبُكَ عَلَى غَنَمِ مَرْعَاكَ؟” (مز 74: 1)، وأيضًا “لأَنَّهُ هُوَ إِلهُنَا، وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ. الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ،” (مز 95: 7).  ولعل أشد ما قاله الرب عن الرعاة المنحرفين، ما ورد في سفر حزقيال النبي إصحاح 34 قائلاً:” «يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى رُعَاةِ إِسْرَائِيلَ، تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِلرُّعَاةِ: وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ؟ تَأْكُلُونَ الشَّحْمَ، وَتَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَتَذْبَحُونَ السَّمِينَ، وَلاَ تَرْعَوْنَ الْغَنَمَ.الْمَرِيضُ لَمْ تُقَوُّوهُ، وَالْمَجْرُوحُ لَمْ تَعْصِبُوهُ، وَالْمَكْسُورُ لَمْ تَجْبُرُوهُ، وَالْمَطْرُودُ لَمْ تَسْتَرِدُّوهُ، وَالضَّالُّ لَمْ تَطْلُبُوهُ، بَلْ بِشِدَّةٍ وَبِعُنْفٍ تَسَلَّطْتُمْ عَلَيْهِمْ. فَتَشَتَّتَتْ بِلاَ رَاعٍ وَصَارَتْ مَأْكَلًا لِجَمِيعِ وُحُوشِ الْحَقْلِ، وَتَشَتَّتَتْ.ضَلَّتْ غَنَمِي فِي كُلِّ الْجِبَالِ، وَعَلَى كُلِّ تَلّ عَال، وَعَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ. تَشَتَّتَتْ غَنَمِي وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يَسْأَلُ أَوْ يُفَتِّشُ.«فَلِذلِكَ أَيُّهَا الرُّعَاةُ اسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَ صَارَتْ غَنَمِي مَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي(سفر حزقيال34 : 2-8). وقد وصفهم إشعياء قائلاً: “مُرَاقِبُوهُ عُمْيٌ كُلُّهُمْ. لاَ يَعْرِفُونَ. كُلُّهُمْ كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ. حَالِمُونَ مُضْطَجِعُونَ، مُحِبُّو النَّوْمِ. “وَالْكِلاَبُ شَرِهَةٌ لاَ تَعْرِفُ الشَّبَعَ. وَهُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ. الْتَفَتُوا جَمِيعًا إِلَى طُرُقِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الرِّبْحِ عَنْ أَقْصَى.” (إش 56:10- 11)  انظروا ما خطورة الذنب الذي يرتكبه أمثال هؤلاء الرعاة. إذ يهملون الشعب ويهتمون بأنفسهم. وهنا نجد أن الله ينذرهم بأنه سيمنعهم عن الرعاية فيما بعد. 
 
   وهكذا نجد بعض نماذج لهؤلاء الرعاة المنحرفون في كل وقت وكل زمان وكل مجتمع أي كان وجوده في الشرق أو الغرب رعاة يكذبون وينافقون وربما يتركز نشاطهم على جمع المعلومات الاستخباراتية من جهات متفرقة أو أشخاص من أجل التضليل. وأيضًا نجد بعضهم يبيعون ضمائرهم من أجل منصب أو رتبة أو مكانة معينة  إلى حد ما؛ لذا فإن السؤال الذي يتعين علينا أن نطرحه الآن هو: هل نترك هؤلاء الرعاة المنحرفون؟  أو ما هو دور الكنيسة للحد من الرعاة المنحرفون؟ وما هي عقوبة الرعاة المنحرفون الذين يخالفون تعاليم وقوانين الكنيسة؟ والأكثر من ذلك يتطاولون على الأب البطريرك؟.فما هى عقوبة هؤلاء؟ ربما كل هذه الأسئلة تحتاج لأجابات وإستفسارات!!
 
  ربما اعتقد إن الله لا يترك أولاده أو الرعاة الصالحين أن يقعوا في يد  بعض هؤلاء الرعاة المنحرفون حيث ورد بالكتاب المقدس قائلاً: “هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلًا.” (حز 34: 10). أي بدلاً من أن يقوتوا الشعب،صار الشعب لهم قوتاً؟! إنه درس خطير لمن له أذنان للسمع، فليسمع. ماذا يحدث إذا ضرب الشيطان راعياً بشهوات العالم وبإهماله للرعية؟ يقول الكتاب في ذلك” يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ، وَأَرُدُّ يَدِي عَلَى الصِّغَارِ.” (زك 13: 7) وأيضًا “حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: « لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ.” (مت 26: 31). وإذا تشتت الرعية، فكم تكون عقوبة الراعي؟! فليحفظ الرب شعبه وكنيسته من الرعاة المنحرفون، وليحطم قوة المعاندين لنا بشفاعة ذات الشفاعات معدن الطهر والجود والبركات سيدتنا كلنا وفخر جنسنا العذراء البتول الزكية مريم،. وبصلوات صاحب القداسة البابا تواضروس الثاني نتمنى لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية كل الهدوء والسكينة؛ ولمصرنا الحبيبة كل الخير والسلام!  وللحديث بقية. 

المصدر: الأقباط متحدون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى