لم يتخيل محمد عبدالفتاح يومًا أن يجد نفسه هكذا؛ هوّ وزجته وأطفاله الثلاثة في مستشفى العزل جراء إصابتهم بفيروس كورونا المستجد، لكن هذا “الكابوس” وقع.

مع بداية مارس الماضي، عاد “عبدالفتاح” من رحلة عمل خارج مصر شملت تايلاند وهونج كونج إلى مسقط رأسه بأسوان، تلك الرحلات اعتاد عليها منذ سنوات بحكم عمله في شركة مصر للطيران، لكن الأخيرة كانت الأكثر اختلافا، إذ شعر بعد بضعة أيام بآلام بدأت تتسلل إلى جسده، “أقرب لأعراض الإنفلونزا، لكنها استمرت بصداع شديد وشرخ شديد في الصدر ووجع في العضم”.

اعتقد أنه مع تناول بعض المسكنات والأدوية التقليدية التي تؤخذ مع مثل هذه الظروف ستتلاشى الأوجاع.

ظلَّ عبدالفتاح يحاول العلاج ذاتيا بأخذ “حقن ومحاليل” في الصباح والمساء لمدة 5 أيام دون جدوى “وصلت للمرحلة الأخيرة من الأعراض بضيق شديد في النفس”، ليصبح من الضروري التوجه للمستشفى “رحت الهلال الأحمر وقلتلها إن شغلي مع الأجانب وأشعر بأعراض شديدة وخايف يكون عندي كورونا”، لتقرر تحويله إلى مستشفى الصدر بأسوان لإجراء الفحوصات والأشعة.

كانت وزارة الصحة خصصت 26 مستشفى صدر، و46 مستشفى حميات على مستوى الجمهورية؛ كنقاط وسيطة لاستقبال حالات الاشتباه بالإصابة بفيروس كورونا، وتحويل المؤكد إصابتهم إلى مستشفيات العزل التي جرى تشغيل 9 منها حتى الآن.

صباح اليوم التالي ذهب عبدالفتاح إلى مستشفى الصدر وأجرى أشعة وبعض الفحوصات الطبية، وأصبح مشتبهًا بنسبة كبيرة في إصابته بالفيروس “أول ما عمل الأشعة الصدرية أدرك إن فيه مشكلة عندي لأنه وجد التهابات على الرئة الشمال، وراح عمل المسحة التأكيدية”.

انتظاره 5 ساعات داخل المستشفى لحين ظهور النتيجة، كان أثقل ما مرَّ في حياته ليأخذ صدمته الأولى “جت النتيجة إني إيجابي كورونا”، ليجرى تحويله إلى مستشفى الصداقة المخصص للعزل بأسوان منذ هذا الحين، والواقع في الحي الذي يعيش فيه.

أخبر أسرته بإصابته. أصاب زوجته وأطفالها الصغار الكثير من الهلع، الذي زاد أكثر بإبلاغهم في اليوم التالي مباشرة بضرورة إجراء مسحات لاستبيان تأثرهم بكورونا من عدمه، إذ هم في الدائرة الأولى من المخالطين له على مدار الأيام الماضية “العدوي انتقلت لأقرب الناس ليا”. ظهرت نتائج الاختبارات بإصابة زوجته و3 من أطفاله الأربعة.

ضاقت عليه الأرض بما رحبت “أسوأ شعور في حياتي. مكنتش أتخيل إني عندي فيروس زي دا، وضريت أهلي، وزعلت وتعبت نفسيا وكانت حاجة فوق الاحتمال”. وعلى أي حال كان عليه أن يبدو متماسكًا حتى النهاية، إذ انضم إليه في مستشفى العزل باقي أفراد أسرته الصغيرة، وفيها جرى تقسيمهم إلى مجموعتين “كنت أنا وابني في غرفة، وزوجتي والبنت والابن الثاني في الغرفة اللي جنبها”.ما خفف عن الرجل بعض الشيء أن زوجته وأطفاله الثلاثة (كريم 9 سنوات، فريدة 6، سليم 3 سنوات)، لم يشعروا بأعراض الفيروس الشديدة “كحة بسيطة وشوية سخونية”، ومن هنا كان لزامًا أن يذهب عنهم خوف تلك الأيام الثقيلة “كنت بصبرهم وأديهم الأمل إن كل دا خير”.

لن ينسى تلك اللحظات التي احتاجت صغيرته فريدة أن تمسك يده لتشعر بالطمأنينة “قالتلي عاوزة أمسك إيدك بس.. طلعت إيدي من البلكونة ومسكت إيديها حوالي عشر دقائق كل يوم علشان تبقى مبسوطة”، في حين لم يصل الأطفال إلى الإدراك الكافي لوجودهم في العزل “مش حاسين بحجم الخطر وقاعدين يقولوا عندنا إيه وإحنا هنا ليه!”.

الروتين اليومي لعبدالفتاح في العزل كان ثابتا بقدر كبير، فهو ومن معه ملازمين لغرفهم لا يتحركون منها إلا نادرا، مع حصولهم على الأدوية في مواعيدها بانتظام “كنت باخد جرعتين الصبح وبليل، أدوية لتقوية المناعة، وأخرى لتحجيم انتشار الفيروس في الجسم، وأولادي بياخدوا أدوية شراب، مع تحليل صورة دم كل 3 أيام، وأشعة مقطعية على الصدر”، ليشعر بتلاشي الأعراض بعد نحو 3 أيام من العزل.بمرور 10 أيام على تواجد عبدالفتاح وأسرته داخل المستشفى، لم تكن هناك أعراض عليهم، ومن ثم تسلل الأمل بقرب شفائهم.

جرى سحب العينة الأولى من الأربعة لتحليلها وخرجت سلبية، لكن يُشترط أن يجرى تحليل تأكيدي ثانٍ للسماح بخروجهم. كان هذا يوم الأحد الماضي حينما سحب فريق التمريض المسحات لإرسالها إلى المعمل “كنا منتظرين الأمل الأخير علشان نخرج”، قبل أن تظهر النتيجة سلبية في المرة الثانية مساء أمس الاثنين “مفيش أسعد من كده. إحنا كنا في رحلة إلى الموت، رجعنا برحمة ربنا بنفس صحة الأول”.

لمس عبدالفتاح الفرحة في وجوه الجميع، أطباء وتمريض ومصابين لا زالوا في أيامهم الأخيرة بالمستشفى “كله فرحان وإحنا فرحانين بحياتنا، والفريق الطبي اتصوروا معانا وتفائلوا إن فيه زملاء لهم مصابين بالفيروس عن طريق العدوى، إننا نكون بداية نواة بخير والكل يُشفى”.غادر عبدالفتاح وأسرته المستشفى قبل أن ينتهي يوم الاثنين بساعة واحد، ليفتح أملًا جديدًا في التعافي لمئات المصابين حاليا. وصل إلى هاتفه بعض المكالمات ممن عرفوا بهذا الخبر السعيد. لكنه سيستمر في عزل منزلي إضافي لمدة 14 يومًا إضافية. على لسانه جملة لم يتردد كثيرًا أن يذكرها “الصحة أحسن نعمة من ربنا، والناس تخلي بالها من نفسها”.

هذا الخبر منقول من: الأقباط اليوم