احتفلت الكنيسة اليوم ببدء العام القبطى 1737 والتى تبدأ بعيد الشهداء المعروف باسم عيد النيروز، إذ أقيمت القداسات بكل الكنائس بالإيبارشيات والقطاعات الرعوية بالقاهرة والإسكندرية.

وصلى الآباء المطارنة والأساقفة عشية رأس السنة القبطية الجديدة مساء أمس والقداس صباح اليوم، إذ أقيمت الصلوات باللحن الفرايحى وفقًا لطقس الكنيسة التى تقام صلواتها بنعمة الفرح من بدء السنة القبطية وحتى موعد عيد الصليب الذى يحتفل به يوم 14 توت ويستمر لمدة ثلاثة أيام.

يأتى هذا بالتزامن مع السماح لأول مرة بإقامة قداسات يوم الجمعة، بعد توقف دام 24 أسبوعًا، بسبب تفشى فيروس كورونا المستجد.

ويقول الباحث بأسقفية الشباب ماجد كامل عيد النيروز، إن الكنيسة القبطية تحتفل  يوم 11 سبتمبر من كل عام بعيد النيروز، وعيد النيروز هو بداية التقويم القبطى أو ما يقابل رأس السنة، والأصول الأولى لهذا التقويم يرجع إلى العصر الفرعونى وبالتحديد إلى الإله “تحوت Thot” وهو إله الحكمة، ورب القلم، ومخترع الكتابة، ومقسم الزمن، وكان رمزه الطائر إيبيس IBIS  المعروف عند المصريين باسم أبو منجل، ولذلك كانوا يحنطونه بعد موته تكريما للمعانى التى يمثلها عندهم كرمز للمعانى التى يمثلها عندهم، أما عن الأصل اللغوى لكلمة نيروز ؛فهناك رأيان، الرأى الأول يرجعه إلى أصل فارسى ومعناه “اليوم الجديد ” باللغة الفارسية، أما الرأى الآخر فيرجعه إلى أصل قبطى، فكلمة “نياروو” معناها أنهار باللغة القبطية.

ولما كان هذا هو موسم الاحتفال باكتمال  فيضان نهر النيل لذا نظم المصرى القديم هذه الاحتفال كرمز للوفاء للنيل، وعندما دخل اليونان مصر أضافوا اليها حرف السين علامة أسم الفاعل فى اللغة اليونانية فأصبحت “نياروو –س” وحرفت مع الزمن إلى النيروز، وعودة إلى الأصل التاريخى لهذا العيد ؛حيث يذكر علماء المصريات أن المصرى القديم هو الذى قام بوضع هذا التقويم، وكان ذلك حوالى عام 4241 ق.م عندما لاحظوا ظاهرة الشروق الاحتراقى لنجم الشعرى اليمانية، والمعروف فى اللغة اليونانية باسم “سيروس SIRIUS” قبل شروق الشمس مرة كل عام، وكان المصريون  يسمونه “سبدت” وهو ألمع نجم فى السماء، ويبعد حوالى 8 ونصف  سنة ضوئية عن الأرض، وقد قسموا السنة إلى ثلاثة فصول كبيرة هى:-

1- فصل الفيضان “آخت”

2- فصل البذر والزرع “برت”

3- فصل الحصاد “شمو”

وقسموا السنة إلى 12 شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، وأضافوا المدة الباقية وهى خمسة أيام وربع، وجعلوها  شهر بذاته، أسموه بالشهر الصغير أو “النسىء” وبذلك أصبحت السنة القبطية 365 يوما فى السنوات البسيطة، 366 يوما فى السنوات الكبيسة . وعندما جاءت المسيحية إلى مصر حوالى عام 61م تقريبا ؛ ومع ظهور عصر الشهداء، أراد الأقباط أن يخلدوا ذكرى دماء هؤلاء الشهداء، فاتخذوا من تاريخ إعتلاء دقلديانويوس عرش الأمبراطورية الرومانية وهو 284م، بداية التقويم لعصر الشهداء، فإذا حذفنا  284 من 2010 تصبح 1728 للشهداء، ولقد أستمرت الحكومة المصرية تتبع هذا التقويم كالتقويم الرسمى للدولة حتى ألغاه الخديوى إسماعيل عام 1875 م وكان يقابلها عام 1539 للشهداء ؛وأستبدله بالتقويم الميلادى الذى مازال متبعا حتى الآن كالتقويم الرسمى للدولة.

عيد النيروز

غير أن الفلاح المصرى مازال يتبع التقويم القبطى حتى الان فى الزراعة، ويضيف ماجد قائلا أما عن الشهور القبطية ومعانيها فهى:-

1- توت: نسبة إلى تحوت إله العلم والحكمة، وهو مؤسس هذا التقويم

2- بابه: وهو يرتد على الأرجح إلى هابى إله النيل

3- هاتور: هو الإلهة هاتحور إلهة الحب والجمال عند المصرى القديم

4- كيهك: قيل أنه نسبة إلى اجتماع “الكا” مع “الكا” والكا معناه القرين فى اللغة الهيروغليفية فيكون معنى الأسم اجتماع القرين مع القرين

5- طوبه: نسبة إلى إله المطر، ومنها أخذ أسم “طيبة” وهى مدينة الأقصر حاليا.

6- أمشير: يقال أنه أسم إله الشياطين نظرا لكثرة الزوابع فى هذا الشهر.

7- برمهات: سمى كذلك نسبة إلى إله الحرارة.

8- برمودة: نسبة إلى رموته الأفعى المقدسة.

9- بشنس: نسبة إلى الإله خونسو ابن الإلهة موت

10- بؤؤنة: ومعنى أسمه الحجر ؛ وهو إله المعادن، وسمى هذا الشهر بأسم هذا الإله كناية على أن المعادن تستوى فى هذا الشهر بسبب شدة الحرارة.

11- أبيب: نسبة إلى المعبود أبيس ؛وقيل أنه إله الفرح.

12- مسرى: ومعناه مولود رع ؛حيث كانوا يحتفلون بولادة الشمس.

ويتبقى بعد ذلك الشهر النسىء ومعناه الصغير، وعدد أيامه  6 أيام.

ولقد كتب العلامة  المقريزى عن احتفلات هذا العيد فى شىء من التفصيل فى موسوعته فقال عنه “هو أول السنة القبطية بمصر، وهو أول يوم من “توت” وسنتهم فيه إشعال النيران، والتراش بالماء، وكان من مواسم لهو المصريين قديما وحديثا.

وكانت تتعطل فيه الأسواق وتفرق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة وأولادهم ونسائهم وحوائج النيروز من فاكهة الموسم البطيخ والرمان والموز والبلح، وكثيرا كا كان الخليفة يتدخل فيصدر أمره بمنع إيقاد النيران ليلة النوروز ومن صب الماء فى نهاره عندما يزيد الأمر عن حده فيأخذ من يخالف ليحبسوا وآخرين فيطاف بهم على الجمال لجرسهم “أى فضحهم”

ومن أشهر الحوادث المرتبطة بالنيروز فى التاريخ الكنسى ما جاء فى سيرة البابا يؤانس السادس عشر البطريرك “103” من سلسلة بطاركة الكنيسة القبطية والشهير بالطوخى “1676-1718 م” أن فيضان النيل جاء منخفضا ؛فتوجه الأب البطريرك إلى كنيسة ستنا العدرى بالعدوية “كنيسة السيدة العذراء بالمعادى حاليا وهى أحدى المحطات الهامة فى رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر، فمنها توجهت العائلة المقدسة إلى الصعيد” ومعه مجموعة من الأباء الكهنة فى يوم عيد النيروز، وصلى القداس هناك، ثم صلى على ماجور به قليل من الماء وسكبه فى نهر النيل، وكرر هذا الأمر عدة أيام متواصلة، فتحنن الله برحمته على شعبه، وفاض النيل فى اليوم الثانى عشر من شهر توت”.

وفى العصر الحديث وتحديدا فى عام 1884 ؛تكونت فى أسيوط لجنة لإحياء التاريخ القبطى مكونة من تادرس شنودة المنقبادى صاحب جريدة مصر، الخواجا يوسف إسرائيل، سرجيوس قلتة، أبادير سمعان، مشرقى حنا، أبادير نخيلة، صليب ميخائيل، ساويرس حنا.

وقررت اللجنة ترتيب احتفال كبير بعيد النيروز، وبالفعل تم هذا الاحتفال فى سبتمبر 1885 م ؛وحضر الحفل مطران أسيوط فى ذلك الوقت وقناصل الدول المختلفة وأعيان وموظفو أسيوط.

ومن أشهر الجمعيات التى تحتفل بعيد النيروز جمعية التوفيق القبطية والتى تأست عام 1891م، ولقد سنت هذه الجمعية سنة جميلة لم تحيد عنها وهى أن يكون خطيب الحفل الرئيسى من الأخوة المسلمين، ففى احتفلات عيد النيروز 1920 كان خطيب الحفل الرئيسى هو الزعيم الوطنى الخالد سعد زغلول، وخطب بعده الشيخ مصطفى القاياتى والدكتور محجوب ثابت ورياض الجمل.

وفى احتفالات عيد النيروز عام 1923 تحدث سعد زغلول بعد عودته من المنفى عن دور الأقباط فى الثورة وكفاحهم ضد المستعمر، وعن أهمية الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، وكان من بين ما قاله: “إن النهضة الأخيرة أوجدت هذا الاتحاد  المقدس بين الصليب والهلال، ليس هناك إلا مصريين فقط، ولولا وطنية الأقباط وإخلاصهم الشديد لقبلوا دعوة الأجنبى لحمايتهم وكانوا يفوزون بالجاه والمناصب بدل النفى والسجن والاعتقال، لكنهم فضلوا أن يكونوا مصريين يسامون الحسف ويذوقون الموت والظلم على أن يكونوا محميين بأعدائهم وأعدائكم – هذه المزية يجب علينا أن نحفظها وأن نبقيها دائما فى صدورونا”.

وفى احتفالات  عيد النيروز  عام 1924 حضر الاحتفال النحاس باشا رئيس الوزراء، وفى احتفالات عام 1952 بعد اندلاع ثورة يولية المجيدة بشهرين حضر الاحتفال محمد نجيب، وعلى ماهر باشا رئيس الوزراء فى ذلك الوقت، وتسجل وثائق الجمعية أسماء نجيب الهلالى، صبرى أبو علم، عبد السلام فهمى جمعة، عبد المنعم الصاوى، الدكتور رفعت المحجوب، د. نعمات أحمد فؤاد الخ من ضمن الشخصيات الخالدة التى كانت تخطب فى احتفالات عيد النيروز.

ويبقى بعد ذلك كلمة أخيرة عن الاحتفالات الشعبية فى عيد النيروز، ففى هذا اليوم يقبل الأقباط على أكل البلح الأحمر والجوافة والعنب اأحمر، وذلك لما كانت لهذه الفواكه من رموز  ومعانى تشرح معنى النيروز، فالبلح لونه أحمر رمز لدم الشهيد، وقلبه أبيض رمز لطهارته، أما قلب البلحة فهو صلب رمز وإشارة لقوة وثبات إيمان الشهيد، أما الجوافة فلونها أبيض رمز الطهارة وبذورها صلبة رمز الثبات على الإيمان، وفى نفس هذا المعنى يمكن أن نضيف العنب الأحمر، فالأحمر رمز الدم، والبذور الصلبة رمز ثبات الإيمان.

مصدر الخبر: مبتدأ