أخبار الكنيسة

“رجل الصلاة” يلمس الصحراء فتتحول إلى أيقونة رائعة – وطنى

تحتفل الكنيسة في هذه الأيام بذكرى مرور خمسين عاماً على نياحة القديس البابا كيرلس السادس، رجل الصلاة وصاحب المعجزات، وحينما نتذكر سيرته الطيبة، يأتي في ذهننا أول حدث تاريخي قدّمه البابا كيرلس بعد رسامته بطريركاً على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك حين بدأ السعي لتعمير دير القديس مارمينا العجائبي، ولكن بالرغم من أنه كان رجل تعمير، لكن اهتمامه الأول كان هو بناء النفوس.

وقال قداسته في حوار له: “إن العمل الروحي أهم بكثير من أي شيء آخر، وبناء الأفراد روحياً، باعتبارهم هياكل اللَّـه الحية، أعظم بكثير من بناء هيكل من الحجارة، فمُهِمَّة الكنيسة هيَ المساهمة في تدعيم السلام والأمن والمحبة في نفوس أولادها”.

– تاريخ منطقة “أبو مينا” الأثرية:

استـشهد القديس مارمينا العجائبي عام 309م أي مُنذُ حوالي 17 قرناً، ووضِـــــعَ جسدهُ في قبرٍ مجهولٍ، لكن اللَّـه أظهره بمعجزات قوية بالمنطقة، فأصبح المكان مدينةً عظيمةً تجذب الألوف، وتُعَدّ الفترة ما بين القرنين الخامس والسابع الميلاديين؛ بمثابة العصر الذهبي لحُجاج كنيسة ومدينة القديس مينا، وحينها كانت المدينة هيَ المكان الثانـي للحج المسيحي بعد القدس.

– تدمير منطقة “أبو مينا” في القرن الثالث عشر:

في القرن الثالث عشر غرُبَ مجد منطقة “أبو مينا” بعد أن تكاثرت عليها عوامل التدمير، وغمرتها رمال الصحراء، حتى دخلت المدينة العظيمة في طي الصمت والكتمان والنسيان إثر التخريب الشامل الذي حلّ بها.

– اكتشاف منطقة “أبو مينا” في القرن العشرين:

خضعت المنطقة لعمليات الكشف الأثري منذ سنة 1905م على يد العالم الألماني “كوفمان”، ثم توالت الأبحاث وأكدت عظمة المدينة تلك الاكتـشافات التي أسفرت عنها أعمال التـنقيب الأثرية في منطقة القبر، والتي بدأت مع بداية القرن العشرين.

– مجهودات البابا كيرلس ومعاونيه لإعادة تعمير منطقة الدير:

خلال فترة رهبنة “القمص مينا المتوحد”، كان يسعى لإعادة عمارة منطقة “أبو مينا”، وإعادة مجدها السابق،وقد عاونه في ذلك كثيرون من أعضاء جمعية مارمينا للدراسات القبطية بالإسكندرية، ومنهم الأستاذ بانوب حبشي مؤسس الجمعية ومفتش الآثار بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، ودكتور منير شكري الطبيب السكندري والمؤرخ الكنسي القدير، والأستاذ بديع عبد الملك وكيل الجمعية، والأستاذ باهور لبيب عالم الآثار ورائد الدراسات القبطية ومدير المتحف القبطي الذى قام بجهود كبير فى ذلك الوقت وهو الذي أشرف على عمليات حفائر بمنطقة “أبو مينا”.

وسعى هؤلاء للحصول على الترخيص، وظل ذلك السعي سنوات عديدة يرافقه الأمل والصبر، ولكن جميع المحاولات كانت تنتهي بالفشل.

– نصيب البابا كيرلس السادس بطريركاً، وتعمير الدير:

عقب تولّي البابا كيرلس البطريركية، تقدَّم إلى الجهات المعنية “هيئة تعمير الصحاري” يطلب شراء الأرض الملاصقة للمنطقة الأثرية، لإقامة الدير الحديث، وتم الموافقة على شراء (15 فداناً)، ويذكر التاريخ أن أولاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تبرعوا له بمبلغ مالي، وبه استطاع البابا شراء الأرض التي كان يبلغ ثمنها حينئذ 500 جنيه.

– وضع حجر أساس الدير الحديث:

في 27 نوفمبر عام 1959م، صلَّى البابا كيرلس القداس الإلهي في المنطقة الأثرية، مع عدد كبير من المؤمنين، ثم توجه قداسته إلى الأرض التي اشتراها ووضع بيده المباركة حجر أساس بناء الدير، وهذا الحجر يقع أسفل شرقية المذبح الرئيسي للكنيسة الكبرى، ويظهر خلف الواجهة الزجاجية المقابلة لمقبرة البابا كيرلس، وعليه اللوحة الرخامية المدوَّن عليها تاريخ وضعه.

– أعمال التعمير بالدير:

أسند قداسة البابا كيرلس السادس أعمال التعمير للسيدين شاروبيم وفرج أقلاديوس، وهما من أقدم مقاولي أعمال البناء في الإسكندرية، ولهما خبرة في تشييد الكنائس، ولم يكن العمل سهلاً لعدم وجود المياه التي تحتاجها أعمال التعمير مع عدم توفر الإمكانيات، أدى ذلك إلى بذل جهد كبير، إذ كانت تُجلَب المياه من قرية بهيج التي تبعد عن الدير بمسافة 11 كم بواسطة فنطاس سعته متراً مُكعَّباً، ورغم صغر حجمه كان يستغرق ملئه حوالي ساعتين لأن مصدر المياه كان حنفية صغيرة، وكانت هذه الكمية القليلة من المياه تكفي استهلاك الموجودين بالدير من آباء رهبان وعمال، وأعمال المباني، وأيضاً ما يلزم لعجين القربان.

– إقامة الكنائس:

في البداية أقيمت كنيسة الأنبا صموئيل المعترف وبها مقصورة خاصة برفات الشهيد مارمينا، وبُنيت عدة غرف بجوارها لقداسة البابا ومرافقوه، ولعمل القربان. ثم بدأ في بناء سور الدير.

بُنيت بعد ذلك كنيسة السيدة العذراء،وافتتحت للصلاة سنة 1961م، وبجوارها بعض الحجرات التي استخدمت كقلالي للرهبان.

وبُنيت كنيسة الملاك ميخائيل أعلى كنيسة أنبا صموئيل.

عام 1970 ابتدأت أعمال البناء بكاتدرائية مارمينا التي يبلغ طولها حوالي 40 متراً وعرضها 28 متراً، ويعلو صحنها قبة ضخمة قطرها 12 متراً، وارتفاع منارتيها حوالي 42 متراً.

– تقرير هيئة اليونسكو عام 1979:

لأهمية منطقة “أبو مينا” قررت هيئة اليونسكو عام 1979 إدراج منطقة “أبو مينا” الأثرية، ضمن قائمة التراث العالمي (57 منطقة في العالم في ذلك الحين) كتراث إنسانييجب العناية به والمحافظة عليه عالمياً، وكان ذلك بمثابة تكريماً لرحلة الشقاء الذي مر بها البابا كيرلس السادس لإعادة إعمار منطقة “أبو مينا” الأثرية.

– المعجزات الإلهية التي صاحبت أعمال التعمير في الدير الحديث:

صاحب إنشاء الدير بمريوط العديد من المعجزات، وهو أمر دائماً ما يتحدث عنه كل من عملوا في إنشاء بيوت الله المقدسة، فرغم ما تجابه هذه الأعمال من صعاب، لكن يد الله المقدسة تمتد بتدبير بعض الأمور بطريقة لا يتطرق إليها الفكر البشري، فيدرك الإنسان مدى المعونة الإلهية التي تسند، فيزداد الإيمان بقدرته وتتشجع النفوس حتى يتم العمل.

ونورد هنا بعض المعجزات كبيان لعظمة عمل إلهنا القدوس بواسطة محبيه القديسين لتمجيد عظمته فيهم:

– الجرار يسير بلا قائد:

في أحد أيام شهر يناير 1965م وحوالي الساعة الواحدة ظهراً غادر أحد الآباء الرهبان الدير بالجرار وخلفه صهريج المياه لملئه من قرية بهيج، ولقلة المياه في الحنفية قرر أن يترك الصهريج ويعود إلى الدير بالجرار، وعند عودته فوجئ بأن العامل الذي كان يركب معه على الجرار غير موجود ــ أي أنه سقط أثناء سير الجرار ــ فأوقف الجرار ونزل منه ليتطلع حوله لعله يرى العامل.

ولارتباكه لم يكن قد حول الفيتيس إلى المور( أي أن التروس في وضع الحركة)، وأدار الجرار، فتحرك، وبدلاً من أن يوقف الإمداد بالوقود (الجاز) صنع العكس، مما أدى إلى مسير الجرار بسرعة ولم يتمكن الأب الراهب من اللحاق به، واستمر الجرار في المسير دون قائد، وفى طريقه كان يميل عن خيام العرب المقيمين في المنطقة فلم يقترب لأي منها، وأيضاً مرّ فوق شريط السكة الحديد، كل هذا دون أن يحدث أي أضرار أو صدام، وبعد قطع مسافة حوالى 15 كم على هذا الحال اقترب من حوض ماء فتعثر فيه ووقف.


لقد سار الجرار بسرعة بين الخيام وكأن سائقاً مدرباً يمسك بعجلة القيادة، فهو يجتاز بينها ويميل عنها في حرص حتى لا يصطدم بإحداها.

كان قائده غير المنظور ينظر أمامه جيداً فلم يصطدم بالكوبري الموجود في أول الطريق بل عبره إلى الطريق المرصوف، ولأن قائده ــ غير المنظور ــ أدرك أن الطريق المرصوف تمر عليه سيارات وهو طريق ضيق لذا كان يلزم أن يتوقف، وهنا انحرف الجرار عن الطريق ووقف عند حوض ماء.

– صلاة البابا كيرلس تشفي العامل بلا طبيب:

أثناء القيام ببناء السور الأول للدير سقط أحد العمال من الجرار ومرّت على رجليه المقطورة بعجلتيها الأمامية والخلفية وهى مُحملة بالحجارة، فنقله أحد الزوار بسيارته الخاصة إلى الوحدة الصحية في برج العرب، وهناك استقبلهما الطبيب استقبالاً جافاً بكلمات غليظة وأصرّ على تحرير محضر بالحادث.

فعاد الزائر ومعه العامل المصاب إلى الدير وتركه في الحجرة المخصصة لمبيت العمال، ثم توجه لعرض الأمر على البابا كيرلس الذي كان موجوداً في الدير، وقبل أن يروى له ما حدث، قال له قداسة البابا: ” سيبه بكره هيخف، ويبقى زي الحصان، وبلاش الدكتور المناكف ده “. وبعد يومين فقط استعاد العامل صحته، ورجع إلى عمله كما كان من قبل، وكأن شيئاً لم يحدث.

– البابا كيرلس يستعيد الحجارة المسروقة:

كان أحد الأعراب يقوم بحراسة الحجارة أثناء أعمال بناء سور دير مارمينا، ولكن كان له ابن يأتي ليلاً ويسرق الحجارة ويهرب بها إلى داره، وفجأة وهو يسرق الحجارة توقفت يده عن الحركة، فذهب به أهله إلى أشهر أطباء الأعصاب بالإسكندرية، ولكنهم قرروا أن المرض قديم ويده مشلولة ويصعب أن تبرأ.

فرجع الأهل إلى منزلهم بمريوط يائسين، وفى حلم ظهر رجل كبير ذو لحية كبيرة وقال للأب أؤمر ابنك أن يرجّع الحجارة ويده تبرأ، فقام من نومه وأمر ابنه بذلك، وعند إرجاع آخِر حجر تحركت يد الولد فجأة.

بركة صلاة البابا كيرلس تكون مع جميعنا. آمين.

التعليقات




المصدر: جريدة وطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى