ما هو مستقبل الاحتجاجات الشعبية في ظل أزمة كورونا؟

6 Min Read

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بعيدًا عن تحديد مسميات ودوافع الاحتجاجات الشعبية في بعض الدول العربية، التي انطلقت شرارتها الأولى قبل عقد من الزمان، ولا تزال حتى اليوم محل خلاف بين أوساط المحللين والباحثين، بسبب اختلاف طبيعتها وديناميكيتاها وسياقاتها التاريخية ونتائجها من بلد إلى آخر، مما يجعل إدراجها تحت مسمى واحد أمراً صعباً، إلا أن الحقيقة التي لا جدال فيها أن انطلاقة هذه الحراكات قبل تسعة أعوام، جاءت مدفوعة بالتراكمات وحالة الإحباط التي وصلت إليها بعض شعوب المنطقة نتيجة تدهور الظروف المعيشية وانعدام الأمن الاجتماعي.

وفقاً لآراء المتابعين سواء من المؤيدين أو المعارضين لانطلاقة احتجاجات ما بات يُعرف بـ «الربيع العربي»، فإنها لم تجلب إلا المزيد من الفوضى والتدهور، فالمتابع للمشهد الحالي في بعض الدول العربية؛ يجد أن التحركات الشعبية تحولت إلى نزاعات مسلحة وحروب أهلية دموية، أوجدت المزيد من الفوضى والدمار والموت لشعوبها، كما ساهمت في ظهور عدد من التنظيمات الإرهابية وتأجيج العنف في دول أخرى، حتى بالنسبة لبعض الدول التي تمكنت شعوبها من تحقيق أهم مطالبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا تزال التحديات الاجتماعية قائمة وكبيرة، مما يجعل ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد في مواجهة تحديات كبيرة.

كان زلزال فيروس كورونا مفاجئاً للجميع وقلب كل الموازين والسيناريوهات بما فرضته تداعياته ومستجداته على حتمية التحولات في العلاقات الدولية من جهة والعلاقات بين الحكومات وشعوبها من جهة أخرى، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي كانت تتأرجح بالفعل تحت وطأة الصراعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية والاضطرابات الاقتصادية ومشاكل تدفق أعداد اللاجئين وغيرها من التهديدات المتعلقة بالهوية العربية والدينية، مما يجعلنا بصدد ظاهرة معقدة متعددة الجوانب ومختلفة الأبعاد.

شكلت انطلاقة الاحتجاجات الشعبية قبل تسعة أعوام محطة فارقة ومنعطفاً في التاريخ السياسي المعاصر لدول المنطقة، ومنذ ذلك الحين تصاعد الاهتمام بالدراسات المستقبلية لاستشراف مستقبل بعض الدول العربية في ضوء ما تشهده المنطقة من تحولات وتغيرات متلاحقة، وتتوالى الأسئلة والنقاشات المتعلقة بكيفية تشريع السياسات الإصلاحية والانطلاق لرسم خارطة طريق للمستقبل واعتماد نموذج تنموي لمجابهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، لاسيما بعد الموجات الاحتجاجية الأخيرة التي شهدتها بعض الدول العربية، إلا أن تدخل عامل أزمة فيروس كورونا في المعادلة فرض مشهدا مغايراً، قد تتحدد مآلاته وفقاً لمبادرات الحكومات واستجابة النشطاء والمواطنين للخطط والتدابير الاحترازية المتبعة للسيطرة على انتشار الفيروس المستجد.

يبدو أن المخاوف المرتبطة بالإصابة بالفيروس جاءت كفرصة لدعم الحكومات لإعادة بناء جسور الثقة وسد الفجوة بينها وبين شعوبها، بعد خروج مبادرات ذاتية من بعض النشطاء لوقف التظاهرات في ظل استمرار حالة الاستنفار الصحي بسبب التدابير الوقائية التي لجأت إليها الحكومات لوقف انتشار الفيروس، مما أدى لتهدئة وإخماد الحركات الاحتجاجية واضطرار المحتجين البقاء في منازلهم حفاظاً على صحتهم وسلامتهم، ليبقى السؤال ما إذا كان هذا الانقطاع يمثل وقفة عابرة أم لحظة تحول، أو نهاية غير رسمية لبعض الحشود الجماهيرية الأكثر انتشاراً في التاريخ الحديث، وهل يمكن أن تساهم الأزمة الراهنة في شحن ثقة المواطنين بالمؤسسات الوطنية والحكومات؟ وكيف يمكن استثمار هذه الثقة لمرحلة ما بعد كورونا؟

بداية أدى انتشار فيروس كورونا إلى فرض حالة طوارئ في جميع دول العالم بما فيها دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع اتخاذ إجراءات أمنية واقتصادية واجتماعية استثنائية ومتسارعة لاحتواء انتشار العدوى، تباينت آليات تنفيذها ومدتها من دولة لأخرى، وتزامنت مع استخدام الاعلام والسياسيين لمصطلحات ذات دلالات مختلفة مثل الحجر الصحي وحظر التجوال وحالة الطوارئ الصحية وغيرها.

جاء فيروس كورونا في وقت حرج لبعض الحكومات في الشرق الأوسط، وسط استمرار العديد من الأزمات التي أنتجت ما يعرف باحتجاجات «الربيع العربي»، ومن المرجح أن تؤثر الظروف والأوضاع السابقة لهذه البلاد على قدرتها في استيعاب وإدارة الأزمة الصحية والاقتصادية، في ظل تداعيات مبهمة من الممكن أن تُسهم في تغذية الأسباب التي أشعلت الشرارة الأولى للحراكات الشعبية .

مع استمرار زيادة أعداد لإصابات بفيروس كورونا المستجد يومياً بالعشرات في دول المنطقة، شكلت أزمة الفيروس تهديداً خطيراً ومتزايداً، خاصة مع وجود أنماط حياة معينة يحكمها الدين والممارسات الشعائرية والتي تلعب دوراً هاماً في حياة مواطني بلدان الشرق الاوسط. بمعنى آخر، أعاد فيروس كورونا إلى الواجهة تصعيد التوترات الدينية في ظل الإجراءات المشددة التي تتبعها بعض الحكومات لمحاربة تفشي الفيروس.

بالرغم من منطقية تلك الإجراءات لكبح انتشار الفيروس في الأماكن الدينية التي تمثل بؤراً لانتشاره، يعتبر البعض في دول منطقة الشرق الوسط هذه القيود بمثابة تضييق على ممارسة الشعائر الدينية، ، ولذلك كان سكان هذه المجتمعات أقل استجابة من غيرهم لإجراءات التباعد الاجتماعي وإغلاق دور العبادة مما ساهم في انتشار الفيروس بشكل غير متكافئ.

من جهة أخرى ساهمت بعض الأزمات التي تعاني منها دول المنطقة المتمثلة في الاكتظاظ السكاني وضعف البنية التحتية والخدمات الصحية إلى جانب معاناة بعض الدول العربية التي تعاني من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، كل ذلك ساهم في زيادة المخاطر المحتملة من الإصابة بالفيروس والتداعيات الناجمة عنه والتي قد تسبب بكارثة إنسانية واجتماعية خطيرة.

خلال السنوات الماضية أظهرت استطلاعات المؤسسات البحثية، انخفاض مستويات الثقة بين مواطني بعض دول الشرق الأوسط ومؤسسات دولهم، خاصة مؤسسات الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية، ومن المتوقع أن تزداد تلك الثقة في حال تجاوزت الحكومات هذه المرحلة بأقل الخسائر، بينما قد يؤدي فشل خطط الحكومات في مواجهة أزمة الفيروس وتداعياتها على جميع المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، إلى زيادة الفجوة بين الحكومات وشعوبها.

ولذلك فإن استقرار هذه الدول (التي شملتها الاستطلاعات)،سيكون مرهوناً بما ستفضي إليه نتائج الوضع الراهن، خاصة أن المسألة غير متعلقة بالجانب الأمني وفرض القانون، بقدر ما ترتبط بإجراءات الدول لما بعد كورونا وتدبير تداعيات هذه الأزمة والخروج باستراتيجية تنتصر للمطالب الشعبية.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    7,201

  • تعافي

    1,730

  • وفيات

    452

Share this Article