منصور الجنادي يكتب: سر الإبداع

اشترك لتصلك أهم الأخبار

مشيراً إلى عصر الازدهار الإسلامى، قال الأمير السعودى بفخر شديد: «كان الملك في الغرب يُهدى الملك العربى حصاناً، وكان الملك العربى يهديه الساعة الرملية، التي كانت وقتها قمة التكنولوجيا والإبداع. أما ملوك الغرب، فلم يكن لديهم سوى الطبيعة».

على مر التاريخ، طفا من أبدع، وغرق من قلّد. كان هذا صحيحاً في عصور الريادة الإسلامية في بغداد والأندلس، كما كان في جميع العصور.

ولكن لكى نبدع اليوم، لا يكفى مقارنة أغانى فلان بأغانى المهرجان، وإنما بالإجابة على السؤال، ما هو الإبداع؟

هنا يمكننا الاختيار بين إجابات الماضى وإجابات القرن الواحد والعشرين. إجابات الماضى ربطت بين الإبداع والإلهام والموهبة، وجميعها يهبط على الإنسان من حيث لا يدرى، وبالتالى فلا مجال للاجتهاد والسعى نحو الإبداع. فنحن جميعاً رهن لِحظّ يأتى فقط للمحظوظين، وهم غالباً ندرة وصفوة، ليسوا كتلة اجتماعية مؤثرة، وليسوا اتجاهاً حضارياً لوطن، وإنما «فلتات» فردية هنا وهناك.

أما في عصرنا الحالى، فهناك، ليس فقط وجهة نظر أخرى، بل واقع آخر من الممارسات الفعلية التي تحدث منذ عقود وأظهرت نتائج مبهرة واضحة للعيان. فالموبايل والذكاء الاصطناعى وتقدم الطب والمواصلات وغيرها من الإبداعات التي نستهلكها جميعاً، أتت كلها من الثقافات التي استخدمت العلم في فهم طبيعة الإبداع، ثم طبقته في نظم التعليم، فأنتجت شعوباً مُبدعة، وليس مجرد أفراد واستثناءات.

لماذا فعلوا هم هذا، ولم نفعله نحن؟ ما الفرق بيننا وبينهم؟

ابحث عن تعريف كلمة «إلهام» مثلاً في معجم «المعانى» وستقرأ «إلهام الشاعر: ما يُلقَى في نفسه من صور وأفكار ومعانٍ». هذا التعريف ـ بمقاييس عالم اليوم ـ رائع وكارثى في نفس الوقت.

رائع لاحتوائه على تحليل لمكونات الإلهام (صور وأفكار ومعانٍ)، مما يساعد، ليس فقط على فهم طبيعة الإلهام، وإنما أيضاً على التعرف على كيفية الحصول عليه واكتساب القدرات الإبداعية. فإن كانت الصور والأفكار والمعانى (كما يقول المعجم) مكونات للإلهام فلماذا لا نُثرى أذهان أطفالنا بصور وأفكار ومعانٍ تُلهِمهم، وتساعدهم على الإبداع، كما فعل العرب أثناء تحضرهم، وكما يفعل الغرب الآن؟

أما الشىء «الكارثى» في تعريف المعجم لكلمة «إلهام» فهو استخدامه لكلمة «يُلقَى»، بضم الميم وفتح القاف («ما يُلقَى في نفس الشاعر من صور وأفكار…..»). فالشاعر أو المبدع أصبح هنا مفعولاً به «يُلقَى» في نفسه بشىء ولا يجلبه هو لنفسه. كذلك فالفاعل في هذا التعريف مجهول، لا نعرف من هو، وبالتالى يحِل التقاعس محل سعى الإنسان لجلب الصور والأفكار المُلهمة، فنَبقى سياسيا واقتصاديا مفعولاً بنا بين الأمم، ولسنا فاعلين مبدعين.

سر الإبداع هو أن الإلهام والعبقرية والموهبة هي منتجات ككل المنتجات الأخرى، لا بد لها من بيئة عامة مُحفزة لها (مجتمع يريدها ويعمل على تطويرها)، ومدخلات تُصنَعُ منها (فنون وصور وأفكار مُلهمة)، وعمليات تصنيع (تدريب)، كى يخرج المنتج النهائى المسمى إبداعاً أو إلهاماً، ببساطة وبدون خرافات وتضليل.

نعم ستبقى هناك نماذج فريدة في إلهامها وطبيعة نتاجها، ولكن هذا لا يتنافى مع إمكان تحليل وفهم طبيعة الإبداع وما يتعلق به من مفاهيم كالإلهام والخواطر والموهبة، واستخدام هذا الفهم لتنمية هذه الملكات فينا. بالتحليل العلمى لقدرات الإبداع والتدرب على اكتسابها، لن نصنع من كل فرد في المجتمع مايكل أنجلو أو بيل جيتس، ولكن سنرفع من احتمالات ظهور المبدعين بقدر كاف للتقدم.

اتهام العبقرى محمد عبدالوهاب بالسرقة مثلاً، كان جهلاً بأن الإبداع لا يأتى من الفراغ، وإنما من «تأليف» ما سبق وجوده. السرقة هي نسخ جُمل أو مؤلفات برُمتها. أما أن يصادف عبدالوهاب إيقاع الرومبا في أحد شوارع باريس، فيُنتج منه لحنا لا مثيل له من قبل ولا من بعد في تاريخ الغناء العربى (جفنه علم الهوى)، فليس سرقة مع كلمات، (يقال بالإنجليزية composition) وإنما إيقاع ألهمه، فـقام بـ«تأليفه» بشارة الخورى، وأنتج منهما شيئاً فريداً. إبداع، لم يكن ممكناً دون مكوناته التي لم «تُلقَ» على عبدالوهاب، وإنما انتقاها من خبراته العملية.

الإبداع والإلهام والموهبة هي نتاج لمُدخلات.

الفرق بيننا وبين من سيُبدعون علاجاً أو مصلاً ضد الكورونا، هو أنهم يملكون العلم والخبرة، لذا يمكن أن يُبدعوا.

سر الإبداع هو أنه ليس وليد العدم.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    3,659

  • تعافي

    935

  • وفيات

    276

مصدر الخبر:

الرئيس للضرائب: راعوا الظروف الصعبة

مصرُ العظيمةُ.. رمضانُ الكريم