إعداد وتقديم الباحث – عصام عاشور 
قال الباحث عصام عاشور، فى الحلقة الثانية عشر من تاريخ الحركة الوطنية المصرية، إن مصطفى كامل حقق حلمه فى أن يؤدى الإمتحان النهائى فى الحقوق الفرنسية فى جامعة “تولوز” وبالتالى تخرج منها عام 1894 وكان أصغر طالب حيث كان عمره عشرين عاماً.
 
وأضاف عاشور، خلال برنامجه “الحكاء.. شذرات من تاريخنا” والمذاع على شاشة الأقباط متحدون، إهتمت إحدى المجلات الفرنسية بحفل التخرج وكتبت: (أحد الخريجين الذين تفتخر كلية الحقوق بتخرجه هو الطالب المصرى مصطفى كامل والذى آثر الجميع بأدبه وخلقه الشرقى الرفيع وشخصيته الفذة الجذابة وبإقباله على العلم والدراسة وبما يفيض به من ثقة وإيمان ببلاده وحقوق شعبها).
 
 
وأضافت المجلة: إن مصر بلد عريق ذو تراث وتاريخ تعرفه فرنسا جيداً ولا عجب أن تنجب مصطفى كامل ولاشك أنها سوف تسترد مكانتها وحريتها على يديه. ولا يخالج أحد فى الجامعة أى شك أن مصطفى كامل سوف يحتل مكانة فى الصدارة من حياة بلاده.
 
وأجرت معه المجلة حديثاً وحين سألته عما ينوى فعله بعد عودته إلى مصر قال: سوف أعمل بالمحاماة والدفاع عن حقوق الأمة المغتصبة والمهدرة ولن أعمل بالطبع فى الحكومة التى لا أعترف بها وأحتقرها.
 
وعلى سفينة العودة إلتقى الكولونيل بارنج شقيق اللورد كرومر وبالطبع كان الكولونيل متشبعاً بأراء أخيه عن مصر والمصريين وحاول مصطفى كامل فى تفنيد هذه الآراء وسجل هذا الحوار وعند عودته نشره بجريدة الأهرام.
 
وبالعودة إلى تنظيم المودة فقد تقرر تمصيره بالكامل وبعد نقاش طويل تقرر أيضاً عمل إستراتيجية عمل طويلة المدى تتكون من شقين شق داخلى والآخر خارجى على أن يبدأ العمل من الخارج أولاً وأن ينصب الجهد على تبديد الخرافات التى أحكم الإحتلال نشرها فى أوربا.
 
بالطبع فى هذه الفترة كثفت بريطانيا عن طريق أجهزة إعلامها فى أوربا أن الوجود البريطانى فى مصر إستطاع أن يحقق المعجزة وأن ينتشلها مما كانت فيه وأن ينشر فيها الرخاء والإستقرار.
 
لذلك تقرر أن يعود مصطفى كامل إلى أوروبا لكى يتولى مهمة مواجهة سطوة الإحتلال البريطانى.
 
بدء مصطفى كامل عمله بطلب موعد مع رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) ليقدم إليه رسالة من الأمة المصرية ممثلة فى نوابها تستنجد بها فى إسترداد حريتها وإستقلالها.
 
وفى اللقاء جاء إليه مصطفى كامل ومن معه يحملون لوحة كبيرة رسمت عليها مصر مكبلة بالقيود والأغلال وتستصرخ فرنسا لتعاونها على تحريرها كما عاونت أمريكا وايطاليا واليونان وبلجيكا على نيل حرياتهم وفى ذيل اللوحة ثلاثة أبيات من شعر مصطفى كامل مترجمة إلى اللغة الفرنسية.
 
ثم ألقى مصطفى كامل خطاباً بلغة فرنسية بليغة جاء فيه أن مصر أمة عريقة وفتية وقد سلبتها بريطانيا حريتها وإستقلالها منذ ثلاثة عشر عاماً مارست خلالها كل أنواع القهر والإستغلال .. وأن مصر وشعبها ينادون فرنسا لتكون سنداً لهم فى إسترداد حريتهم وإستقلالهم.. فرنسا العظيمة صاحبة أول إعلان لحقوق الإنسان والتى طالما سارعت ألى مساندة شعوب ودول كثيرة وإن مصر تثق تماماً فى أن فرنسا لن تتأخر قط فى مساعدتها  .. كما أن الأمة المصرية خلال هذه الفترة لم تقبل ذلك فهى تكافح ولا تهدأ. 
 
هز الحديث قلب رئيس الجمعية وكل النواب الحاضرين، ورد رئيس الجمعية بخطاب رقيق يفيض عطفاً على مصر (كما ذكر مصطفى كامل نفسه) وأكد فى رده على العلاقة التاريخية الوثيقة التى تربط البلدين وأن فرنسا لن تألو جهداً فى مساعدة مصر. 
 
كان هذا الحدث على بساطته وصدقه قد صار حديث الفرنسيين فقد تناقلته الصف الفرنسية. كانت الفيجارو وهى كبرى الصحف الفرنسية كتبت ( هذا أول صوت للشعب المصرى يرتفع فى أوربا بعد الإحتلال ويطالب بالإستقلال) وإختتمت الصحفية بقولها (مما لا شك فيه أن هذا الشاب سوف يلعب دوراً هاماً فى حياة بلاده وهو يتدفق حرارة وحماسة وصراحة وقد كشف بقوة عما لحق ببلاده من مصائب من جراء الإحتلال البريطانى والذى يخدع العالم ويغشه بدعايته الكاذبة .. وقد تأكد اليوم أن المصريين قد إستيقظوا ولن يسكنوا حتى يتحرروا تماماً).
 
عقب ذلك دعت جامعة تولوز مصطفى كامل ليلقى محاضرة عن المسألة المصرية.
 
كان ما تحقق حتى ساعتها يعتبر نصراً عظيماً وكان لابد من الحفاظ عليه وأن يستمر هذا المد.
 
فكانت الخطوة التالية مجازفة مصطفى كامل لمخاطبة أشهر سيدات المجتمع الفرنسى وأرفعهن مكانة والتى كانت تصدر مجلة ثقافية تهتم بقضايا العصر والعالم وتحتل مكانة رفيعة بالإضافة إلى صالون كان ملتقى لصفوة ونخبة القادة والساسة والمفكرين والكتاب.
 
كتب مصطفى كامل فى خطابه لهذه السيدة:
“سيدتى أنا شاب صغير السن واسع الأحلام شديد الطموح أحمل على عاتقى مهمة ثقيلة لا مناص منها هى إيقاظ أمة لتسترد نفسها وحقوقها.. إننى يا سيدتى مصرى أحلم ببعث مصر التى تنوء الآن تحت وطأة القهر والإحتلال أحلم أن أوقظ مصر المقهورة لكى تهب وتصبح مصر الفتاة المضطرمة بالحياة .. إن هناك كثيريين داخلها وخارجها يزعمون أن الوطن الذى أعشقه لا مستقبل له ولا وجود .. لكننى أؤمن به إيماناً يملك على نفسى ويستبد بى إحساس جارف عميق يتجاوز كل المعانى والحدود بل ويدفعنى لأن أنذر حياتى كل حياتى من أجله .. وأن أفديه بكل ما أملك وأستطيع .. أنا يا سيدتى شاب فى الحادية والعشرين من عمرى وتخرجت فى كلية الحقوق جامعة تولوز .. وأريد أن أجد المجال لأكتب وأخطب وأثير الإهتمام والحماس حول قضية بلادى وأعبر عن كل ما يجيش فى صدرى .. وقد نصحنى كثيرون يا سيدتى أن ما أريده مستحيل ولكننى لا أبالى بهم لأننى أحس فى نفسى بدافع لا يقاوم لأن أمضى فيما عزمت عليه ولا أتراجع .. وما أرجوه وأطلبه منك يا سيدتى هو أن تقدمى لى المساعدة بما عرفت عنك من وطنية وبما لك من مكانة رفيعة ولا شك قط أن لديك كل ما أحتاجه من إرشاد وتوجيه .. وأرفق مع هذا الخطاب كتيباً مختصراً كتبته عن الإحتلال البريطانى فى مصر ومظالمه وجرائمه .. وأأمل أن يحوز على تقديرك ورضائك”..  المخلص مصطفى كامل.